محمد حسين هيكل

8

حياة محمد ( ص )

والكهرباء وما نشأ عنها من المخترعات قرّبت إلى العقل فهم إمكان تحول المادة إلى قوّة وتحوّل القوّة إلى مادة . وعلم استحضار الأرواح فسر للناس شيئا كثيرا مما كانوا فيه يختلفون ، وأعان على فهم تجرد الروح وإمكان انفصالها وفهم ما تستطيعه من السرعة في طيّ الأبعاد ، وقد انتفع الدكتور هيكل بشيء من هذا في تقريب قصة الإسراء فأتى بشيء طريف . ويطول بي القول إذا أنا عرضت لما في كتاب الدكتور هيكل من حسنات ، وحسبي أن أنبه إلى تلك الحسنات إجمالا ، وسيدرك الناس جماله بأنفسهم ويستمتعون بلذة نتاج الفكر تهدية الأسانيد الصحيحة ، ويهديه المنطق الدقيق وتسعده الفطرة الصادقة ، وسيرون أن الدكتور كان مخلصا الإخلاص كله للحقيقة ، عامر القلب بما في الوحي المحمدي من هدى ونور ، وبما في سيرة النبي صلى اللّه عليه وسلّم من جمال وجلال وعظمة وعبرة ، مطمئنّا كل الاطمئنان إلى أن هذا الدين المحمدي سينقذ البشر مما هم فيه من الحيرة ، وينشلهم من ظلمة المادّة ويبصّرهم بنور الإيمان ، ويوجههم إلى النور الإلهي ، فيدركون به سعة رحمته التي وسعت كل شيء ، وعظمة مجده الذي تسبّح به السماوات والأرض وكل شيء فيهما ، وعزّته التي تتضاءل أمامها الموجودات . ألا تراه يقول : « وأذهب أبعد مما تقدّم فأقول : إن هذا البحث جدير بأن يهدي الإنسانية طريقها إلى الحضارة الجديدة التي نلتمسها . وإذا كانت نصرانية الغرب تستكبر أن تجد النور الجديد في الاسلام ورسوله وتلتمس هذا النور في « ثيوز وفية » الهند وفي مختلف مذاهب الشرق الأقصى ، فإن رجال هذا الشرق من المسلمين واليهود والنصارى خليقون بأن يقوموا بهذه البحوث الجليلة بالنزاهة والإنصاف اللذين يكفلان وحدهما الوصول إلى الحق . « فالتفكير الإسلامي على أنه تفكير علمي على الطريقة الحديثة في صلة الإنسان بالحياة المحيطة به ، هو من هذه الناحية واقعي بحت ، ينقل تفكيرا ذاتيّا حين يتصل الأمر بصلات الإنسان بالكون وخالق الكون » . فيقول : « لكن طلائع القضاء على الوثنية التي تتحكم في عالمنا الحاضر وتوجه الحضارة الحاكمة فيه تبدو واضحة لكل من يتتبع سير العالم وأحداثه . فلعل هذه الطلائع تتواتر وتقوى دلالتها إذا انجلت أمام العالم تلك المسائل الروحية بالتخصص لدراسة حياة محمد وتعاليمه وعصره ، والثورة الروحية التي انتشرت في العالم كأثر من آثاره » . وهذا الاطمئنان يؤيده الواقع ؛ فإن ما يرى الآن من عناية الغرب ببحث آثار الشرق ، ومن عناية علمائه بدراسة الإسلام من نواحيه المختلفة ودراسة تاريخه وأممه قديما وحديثا ، ومن إنصاف بعضهم للنبي صلى اللّه عليه وسلّم ، وما أيدته التجارب من أن الحق لا محالة غالب ؛ كل ذلك يرشدنا إلى أن الإسلام سينشر لواءه على العالم وسيكون أشد الناس عداوة له اليوم هم أشد الناس غيرة عليه ودفاعا عنه ، وسيكون هؤلاء الغرباء عنه هم أنصاره وأهله ، وكما نصره أول أمره الغرباء عن البيئة التي نشأ فيها ، فسينصره آخر الأمر الغرباء عن لغته ووطنه . وقد بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ ، فطوبى للغرباء ! وإذا كان النبي صلى اللّه عليه وسلّم خاتم الأنبياء وليس للعالم بعده هاد مرشد ، وكان دينه أكمل دين بنص الوحي القاطع ، فلا يمكن أن يقف أمره على ما هو عليه الآن ، ولا بد أن يمحو نوره نور غيره كما تمحو الشمس أضواء غيرها من الكواكب . وقد وفّق الدكتور في تنسيق الحوادث وربط بعضها ببعض ، فجاء كتابه عقدا منضدا وسلسلة متينة محكمة الحلقات . وقد أبدع في بيان الأسباب والأغراض والحكم بيانا قويّا واضحا يجعل القارئ مطمئن النفس رضيّ